عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
203
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وقد بلغت النفقات في العصر العباسي حدا مفرطا . فقد كانت تنفق هذه الدنانير والدراهم المقنطرة على حواشي الخليفة وداره ولا سيما في عصر المعتضد والمقتدر ، ويورد الصابي في كتابيه الوزراء ، ورسوم دار الخلافة أثباتا « 1 » تصور عظم هذه النفقات . فقد كان ينفق على القصر والحرم والخدم أكثر من ستين ألف دينار شهريا . وكان ينفق على المطابخ الخاصة والعامة أكثر من عشرة آلاف دينار شهريا . بل قد يبلغ ذلك أكثر من ثلاثين ألفا . وكان المأمون كثير الاغداق على حاشيته حتى قالوا إنه فرق في ساعة واحدة أربعة وعشرين ألف ألف درهم « 2 » . ويروي ابن تغري بردي أن المأمون أمر يوما لكل من ابنه العباس وأخيه المعتصم وعبد اللّه بن طاهر بخمسمائة ألف دينار . ويحكى عن البرامكة قصصا غريبة في البذل الواسع ، فقد أعطوا إبراهيم الموصلي يوما ستمائة ألف درهم وضيعة بمائة وستين ألفا « 3 » وأعطى يحيى البرمكي يوما ابنه اسحق مائة ألف درهم ليبتاع دارا ، وأعطاه ابنه جعفر مائة ألف لفرشها . وأعطاه ابنه الفضل مائة ألف لزخرفتها ، وأعطاه ابنه محمد مائة ألف رابعة لنفقتها « 4 » وبلغ ما أعطوه لسلم الخاسر الشاعر عشرين ألف دينار ، وكأنهم كانوا يبارون فيه الرشيد ومن الطبيعي أن هذه الأموال لا تدفع إلى النعيم فحسب بل دفعت العباسين إلى الترف المفرط في كافة نواحي الحياة المادية ، من دور مزخرفة وفرش وثيرة وثياب أنيقة معطرة ومطاعم ومشارب من كل لون والتماس لكل أدوات الزينة والتفنن فيها تفننا يتيح الاستمتاع بالحياة على نطاق واسع . من هذا الترف صور متعددة أوردها الرواة بشكل واضح زاه : منه ما يروى عن مجلس للمهدي كان يجلس فيه على فرش موردة وعليه ثياب موردة وعلى رأسه جارية تلبس هي الأخرى ثيابا موردة « 5 » .
--> ( 1 ) الوزراء للصابي : ص 11 وما بعدها . ورسوم دار الخلافة : ص 21 . ( 2 ) الطبري : ج 27 - ص 212 . ( 3 ) الأغاني للأصفهاني : ج 5 - ص 38 - طبعة دار الكتب . ( 4 ) الأغاني : ج 5 - ص 308 . ( 5 ) الأغاني ساسي : ج 21 - ص 77 .